السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد...
يسعدني أن أقدّم بين أيديكم عملي الأوّل، رواية نُسجت أحداثها من **خيالٍ صرف**، وأيُّ تشابهٍ قد يلوح للقارئ مع الواقع ليس إلّا **مصادفةً لا تُؤخذ على محمل التفسير**.
وقد تمّ ترشيح هذه الرواية بعنايةٍ لتكون خالـية من كل ما يمسّ القيم الإسلامية أو يتعارض مع مبادئ ديننا الحنيف، محافظةً على حدود الأدب والاحترام، لتمنح قارئها مساحةً آمنة ومريحة للاستمتاع بالأحداث، دون أيّ إساءة أو ابتذال.
🔒 جميع الحقوق محفوظة.
لا يُسمح بنسخ هذا العمل أو إعادة نشره أو اقتباسه دون إذنٍ صريح من الكاتبة، وأيّ تعدٍّ أو تزوير يُعدّ انتهاكًا قانونيًّا وأدبيًّا.
وفي الختام،
قارئي العزيز..
إنّ قرار قراءة الرواية يبقى على عاتقك، وأتمنى لك رحلةً شيقة بين السطور، ومرافقةً طيّبة لشخصياتها وأحداثها.
قراءة ممتعة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
13/06/2025
_ بسم الله على بركة الله
"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ"
ـ "أشعلوا الشموع وجلسوا في أماكنهم، وتغطّوا جيدًا بأغطيتهم الدافئة، فحكاية الأيام القادمة مختلفة عن سابقتها."
ـ "يابنتي، ليس لدينا شموع، علاوى على ذلك أنتِ لم تكملي لنا الحكاية السابقة!" قالت عجوز.
نظرت أروى بتهكّم إلى وجه العجوز المملوء بالتجاعيد، حتى أصبح كخريطة بخطوط قديمة. كانت عجوزًا كمثيلاتها من العجائز، كلّ منهن تحيط بها المصائر نفسها في دار المسنين. جمعت كل واحدة منهن في نفس المكان، رغم اختلاف القصة وتدرجات الألم، إلا أنهن اخترن الآن النسيان وقضاء نحبهن في هذه الدار بسلام.
ـ "يا جدتي هنية، لقد أكملت لكم الحكاية السابقة، حتى أنتِ بنفسك تدمّرت لمدة ساعة على نهايتها التعيسة والبائسة بالنسبة لك، مطالبة بحكاية جديدة تشفي غليلك." قالت أروى، ووفقنها العجائز الأخريات بهمهمات خافتة.
وأضافت امرأة أخرى، مسترسلة: تصغر العجائز الأخريات بوجهها المستدير، ناصع البياض، بعد أن تركنها هي الأخرى عائلتها لتواجه نفس المصير في هذه الدار، دون تأنب ضمير أو شفقة تُذكر.
ـ "نعم صحيح يا ابنتي أروى! لا نجد شموعًا، وحتى لو وُجدت لن يتركون نشعلها، هذا خطير." قالت الخالة جسور.
ـ "هذا صحيح، ولكن لا مشكلة، نكتفي بإضاءة الهاتف." أجابت أروى، وهي تشعل هاتفها لتضيء بضوء خافت، وتخفيه خلف وسادة السرير التي تجلس عليها مع عجوز أخرى بزاوية مناسبة، حتى يظهر ضوءه بخفوت. ثم توجهت لإطفاء المصباح والعودة لمكانها قرب العجوز والعجائز الأخريات المحاصرات لها على شكل دائرة.
هزّت رأسها وكتفيها باستياء بعدما انتهت، وأضافت:
ـ "مع أني كنت أريد إشعال بعض الشموع، أو حتى واحدة لتناسب الأجواء، ولكن لا مشكلة. هذه هي قوانين الدار، ماذا عسانا أن نفعل؟"
ـ "هيا، أروى، ابدئي، ليس معنا الليل بطوله." قالت هنية.
فنظرت أروى إلى وجوههن المتحمسة لحكايتها كأنهن فتيات صغار ينتظرن حكاية ماقبل النوم، وأعينهن اللامعة التي تحدّق في فمها المملوء بالكلمات الموزونة والأقول الشعبية المناسبة للأدواقهن الصعبة الارضاء، منتظرة حكاياتها المشوقة التي اعتادت أن تغدقها عليهن كلما سنحت لها الفرصة لزيارتهن. كانت تلك الحكايات تبعدهن عن الروتين الممل والخانق، الذي يجبرهن على فعله حتى لا يُصبن بمرض العظام لكثرة الجلوس، ولا حتى بالأمراض النفسية، فأغلبهن قد أصابهن مرض الزهايمر.
نظرت أروى لكل واحدة على حدة، علها تجد ما فقدته. فلم تشعر بسقوط العبرة الهاربة، فمسحتها بطرف كمها وابتسمت لهن ابتسامتها المشرقة التي اعتدنها.
ـ "هيا، على بركة الله." قالت، وبدأت الحكاية.
-''وبالذكر الله تُطمئن القلوب، وبالصلاة على الحبيب تنجلي الغيوم فتبدأ رحلتنا مع قصة... اه عفوا واسفة ليس بجعبتي اية قصة.. ستقولون كاذبة، مخادعة، وانا اقول لكم اه ماذا اقول؟؟؟؟... نسيت .... اه صحيح انا بحق أروي لكم حكاية طويلة عريضة بليلها ونهارها فلا أُخفي عنكم فأنا لا أُحب القصص القصيرة تنتهي بنقطة صغيرة مفادها؛ إنتهت القصة الحسيرة لا ..لا ..وألف لا بل جئتكم بلسان الزمان فيا محاسن الصدف التقيت به وقصها لي قصا فجئتكم أفصلها لكم فصلا ، فبه نقيس هل هي حكاية مليحة أم قبيحة فهو لا يعرف للكذب بابا ولا ينقص للحكاية همسة ولا يزيد للالف همزة صفقوا جميعا وبحرارة.. لزمن ''
......................................
في تلك الليلة التي اكتمل فيها البدرمن ليالي شعبان الهادئة، بدت الصحراء كما لو أنّها تستيقظ من صمتٍ طويل. تمتدّ رمالها على مدّ النظر، تتلألأ تحت الضوء الفضي، فتُشعر العابر بأنّها تخفي شيئًا أكبر من اتساعها. فالليل هنا سيّد المكان؛ يهبّ بنسماته الباردة، ويكشف من سحر الصحراء ما لا يراه النهار، كأنّها لا تُفصح عن وجهها الحقيقي إلا له وحده.
ولطالما تناقلت الألسن قديمًا أنّ الليل والصحراء والنهار كانوا رفاقًا لا يفترقون، لكنّ خلافًا غامضًا وقع بين الليل والنهار، فاختارت الصحراء أن تميل نحو الليل. صارت له وحده، تُظهر أمامه هدوءها ورونقها، وتخفي سحرها مع أول خيطٍ من الشمس، حتى تبدو نهارًا شاحبة، جافة، منزوعـة البريق. ومع مرور السنين، بقي العابرون يسيرون فوق رمالها تحت ضوء القمر، يبحثون عن وجهةٍ لا يعرفونها، وعن حقيقةٍ تختبئ خلف كل كثيب.
كانت الرياح تلك الليلة تعوي بقوة، تحمل معها ذرات الرمل، وتخضّب وجوه المسافرين ولحى الرجال وعمائمهم، كأنها تختبر عزيمتهم قبل أن تسمح لهم بمواصلة الطريق. ومع ذلك، لم يكن أحد ممّن اعتادوا السير ليلًا يخاف هذا المشهد؛ الجِمال تتحرك بثبات، والسروج تتمايل، والوجوه المتعبة بين أسمر وأبيض تراقب الأفق بصمت. لم يكن أحد يتحدث...كان فقط الصمت سيد المكان .
ثم، من بعيد، تَشكّلت على صفحة الرمل الداكن ظلالٌ طويلة... شيءٌ ما يتحرّك هناك.
إنها قافلة.
قافلة عظيمة، يُروى أنها غادرت *ميناء بحر غِرِّيقٌ* منذ أسبوعين وأيام، ذلك الميناء الذي تلتقي فيه رائحة الأمواج المالحة بلأنفاس المختلطة و وتعانق فيه أصوات الباعة ورائح خشب السفن المكدسة بلبضائع المنوعة. يقال والله أعلم -وما أكثر ما يقول الناس-.إنها قافلة **عبد الله بن جمال بن قِبّاب أفندي**؛ التاجر ابن التاجر، وحفيد ذلك القِبّاب الذي كان صديق السلطان السابق وركنًا من أركان تجارة البلاد.
اشتهرت العائلة بتجارتها في أثمن ما عرفت مملكة الزهراوين قيمته : القهوة.
ورغم أنّ أرض المملكة لم تكن تُنبت حبّة بنٍّ واحدة لتربتها المالحة وافتقارها للخصوبة إلا أن القهوة كانت عندهم من ضيافة الشرف، ومن عادات الوجاهة. بل إن التلفّظ بعبارة *لا قهوة* يُعدّ خطأً اجتماعيًا لا يُغتفر. ولهذا أنصحك ألا تتلفظ بها حرصاً على سلامة الجو.
عجيب، أليس كذلك؟
والأعجب أنّ البلاد، رغم قسوتها في هذا الباب، كانت من أغنى الممالك في المعادن: فضّة، ونحاس، وحديد، ومناجم تمتد بلا عدّ. وقد استغلّ ملوكها هذا الغنى ليبنوا لأنفسهم مكانة سياسية تهابها الخصوم.
وسط هذ الدوامة من التجارة والتحالفات، نشأ صعود عائلة قِبّاب . فقد استطاع هذا التجار بحنكة واضحة، ودهاء نادر أن يعثر على ممرّ بحري يُسرِّع التجارة لعامين متتاليين... قبل أن تكتشفه دولة معادية، ففرضت الرسوم الثقيلة والتفتيش القاسي على كل ما يعبر أمواج بحرها الجنوبي.
ومع ذلك، ازدهرت تجارة القهوة، وازدادت بها منزلة العائلة، حتى صار قصر الخليفة يستقبلهم كأهل، وتوثّقت العلاقات حتى بلغت حفيدهم: **عبد الله أفندي**.
.
.
.
آه... لولا أنكم ذكّرتموني لما ضعت في السرد.
لنعد إلى موضعنا.
نعم، **كنا في البحر**؛ البحر الذي تحمل نسماته رائحة التوابل كما تحمل الأمواج أسرار السفن. هناك، في ذلك الضجيج العتيق، بدأت القافلة تستعد لرحلة البرّ الطويلة.
تحركت في صمتٍ مهيب . رجالٌ تلثّموا من حدّة الرياح التي تحمل معها حبات الرمل الصغيرة، وتمسّكوا بسيوفهم وخناجرهم حذرًا من قطاع الطرق وان من المستحيل تقريبا أن يجرأ أحدهم على الاقتراب من القافلة، فالصناديق الخشبية ومحامل القوافل كلها موشومة بختم أحمر قاني، ختم العائلة التجارية الكبرى.
فمجرّد رؤيته يجعل اللصوص يفرّون كالفئران قبل أن يلمحهم رجال القافلة.
تقدّم الركب بانتظام، حتى تعثّرت إحدى الجمال الثقيلة من خلف القافلة الحاملة لصناديق البن، فهَوَت على ركبتيها، وانفرطت حبّات القهوة كأن الرمال كانت تنتظرها منذ دهر، فابتلعتها بحرارةٍ تدلّ على جوع هذه الاخيرة.
لمح أحد الرجال المشهد من بعيد، وكان هزيل الجسم، شاحب الوجه، فصاح بقلق:
- "توقّفوا! بالله عليكم... توقّفوا! سقطت الصرّة ولم ينتبه أحد! ماذا سيقول سيدي؟"
استدار إليه رفيقه، وهو على صهوة جواده، ونخسه في ذراعه رافعًا حاجبه بسخرية :
- "ما بالك يا سهيل؟ أجزعتَ لأجل حفنة قهوة؟ لا تستحق كل هذا الفزع."
ثم التفت إلى الرجال من حوله قائلاً بنبرة تهكّم:
- "أليس كذلك يا رجال؟"
فضحكوا، وتبادلت أعينهم نظرات السخرية.
رجع أحد الرجال الى اخر القافلة ، ثم وكز الجمل بقدمه وكزة خفيفة ، فنهضت الدابّة بطيئاً ، تزاحم ثقل الأحمال المربوطة على سنامها .
لكنّ رئيس القافلة قطع ضحكاتهم بصوته الحازم وهو يتقدّمهم:
- "صه... ما هذا الهرج؟ الطريق طويل، فالتزموا الصمت." ثم وجّه بصره إلى الشاب النحيل:
- "وأنت يا سهيل، لا تقلق. سيدك يعرف ما ينقص وما يضيع. ولهذا نحمل الزائد من البضاعة تحسّبًا لمثل هذه المواقف."
ثم مسح عرقه بظاهر كفه، وهتف آمرًا:
- "هيا يا رجال... أسرعوا!"
قال رجل ضخم الجثة، سمين البطن و الوجه، وهو ينحني على جواده بتعب ظاهر من كمية العرق المتصبب على جبينيه العريض:
- "سيدي... ألا نأكل شيئًا؟ الجوع يكاد ينخر عظامي، والتعب سيقضي عليّ... دعونا نخيم هناك."
وأشار بيد متعبة إلى بقعة رملية خاوية بعشوائية واضحة .
كتم الرجال ضحكاتهم ، غير ناسين حدّة الموقف السابق الذي ما زال مُعلقاً في السماء، أمّا رئيسهم فقد أدار بصره للمتحدث بصرامة:
- "بالطبع لا يا هاشم. الطريق طويل... أتريد أن تجرّب عقوبة سيدك؟"
ثم أشار إلى نفس البقعة وهو يرفع حاجبه الأيسر ويشيح ببصره عنه:
- "ثم إن ذاك المكان رمال متحرّكة... أتريد لنا الهلاك؟"
شهق هاشم بدهشة وارتباك:
- "مـــــــاذاا...؟! مـمــستحيل تبدو رمالًا عادية!"
ساد الصمت القافلة، وتبادل الرجال النظرات بين دهشة واعتراض وإعجاب بخبرة قائدهم.
فهو لم يُختَر رئيسًا عبثًا؛ إنه ابن الصحراء والبحر.
استأنفوا السير، ولم يقطع السكون إلا ضحكة خفيفة من قائدهم وهو يراقب اندهاشهم المضحك.
......
......
أمّا وجهة القافلة، فلم تكن سوى **مملكة الزهراوين**؛ تلك الواقعة في أقصى جنوب خرائط العارفين، خلف صحراء الغبار الأحمر، وتحت ظل جبال التيه الراكعة.
دولة لا يذكرها التاريخ، لكنها كتبت تاريخ مَن نسيهم التاريخ.
كانت الرمال تفرد لهم الطريق كما تفرد الأم رداءها لابنها.
فرمل الصحراء يميّز أقدام السائرين عليها: يعرف الصالح من الطالح، ويصغي لوقع السروج.
وصوت القافلة، على خفّته، كان يُحدِث صدى عميقًا في صدر الصحراء...
صدى يُرحّب بها، ويبشرها بأنها بلغت أخيرًا...
مملكة الزهراوين.
---------------------------------------------
كان السوق يعجّ بالضجيج؛
باعة من كل صوب، وأصوات تتشابك كأنها نسيج لا ينفكّ.
في إحدى مدن البلاد، مدينة تُدعى سُنبل، تلك التي عُرفت بتوسّطها رقعة المملكة، فكانت معبرًا للتجارات كلّها، ولا عجب؛ إذ تحتضن أكبر أسواقها في ساحة الشّامة الكبرى.
بضجيجه اليومي وحيويّته الصاخبة، وبمبانيه الضخمة، الطوال العراض، كان السوق شاهدًا على تناقض غريب؛
فعلى الرغم مما عُرفت به تلك الحقبة من تأخّر في التطوير المعماري، ظلّت مملكة الزهرواين استثناءً في كلّ شيء.
امتلأ السوق بصناديق التفاح الأحمر والأخضر، وبفواكه من كلّ نوع ولون، مصطفّة على جانبي شارع مستقيم، ضيّق بالناس.
نساء بجلابيبهنّ المعتادة، وكِففهنّ على أذرعهنّ، يتفحّصن البضائع ويقايضن الباعة،
ورجالٌ يختلف بعضهم عن بعض؛ فهنا ترى الأجنبيّ بكثرة، هذا بعمامة مزخرفة وجلباب طويل، وذاك عاري الرأس، يرتدي بُدلة رسمية وسروالًا طويلًا.
الكلّ مختلف...
وكان السوق يحتضنهم جميعًا.
وبعيدًا عن ذلك الشارع الضيّق، دوّى صوت أقدام حصان تضرب الأرض بقسوة.
التفت بعضهم ليرى القادم،
بينما لم يُبالِ آخرون؛
فالضجيج ابتلع وقع الخطوات، وأخفى صهيل المدوي.
شقّ حصان أسود طريقه بصعوبة بين الجموع، وجوده وحده كان كافيًا ليأسر النظر للوهلة الأولى.
انطلق كالسهم، حتى توقّف بصاحبه أو لنقل صاحبته وسط ساحة الشّامة، المشهورة بكثرة بيع الرقيق.
كانت نظرة الراكبة فوقه تتلوّح بكبرياء يُحسد عليه.
تمسك بالسرج كما يمسك المحارب سيفه؛ قبضةٌ واثقة لا تعرف التردّد.
تجول بعينيها في الأرجاء، بحدّة صقر يبحث عن فريسته،
حتى توقّفت عند امرأةٍ تولّي المكان ظهرها، تقف في زاوية منعزلة عن الساحة.
اقتربت الراكبة أكثر... فأكثر.
وجهها ساكن،
وعيناها تلمعان بتوهّج.
هبطت يدها على السرج، فشدّته بقوة،
فزمجر الحصان تحت قبضتها.
قفزت الأخرى من مكانها، مذعورة، بعدما بدا لها وجه الحصان ملتصقًا بها.
استدارت، ووجّهت كلماتها للراكبة وهي تكزّ على أسنانها:
- "هل فعلتِ ذلك عمدًا... لتوخيفيني؟"
نظرت إليها الراكبة بعينين حادتين،
نظرة جعلت الأخرى تتراجع خطوة إلى الوراء رهبةً،
وهي تحدّق في هيبة من أمامها.
ساد الصمت.
ثم...
ارتسمت على شفتي الراكبة ابتسامة صغيرة.
سخرية.
قالت وهي تحدّق في المرأة من أسفل إلى أعلى، قبل أن تثبّت نظرها في عينيها، متجاهلة سؤالها:
- "لم أحسبكِ تأتين إليّ بقدميك."
ثم حوّلت نظرها بازدراء إلى المكان، وأضافت:
- "ما هذا المكان الذي أحضرتِني إليه يا شُكَيبة؟ سوق نخاسة؟! دوقك سيىء في اختيار الأماكن"
أنهت عبارتها وهي تهبط عن الحصان لتواجهها مباشرة.
فأجابتها الأخرى بتملّقٍ مكشوف:
- "هذا المكان هو الذي يناسب أمثالك... يا تاجة" تلوّكت بالاسم في فمها عمدًا ثم همست بفحيح أفعى: "وفي يومٍ ما... سأجدكِ في مكان إحداهن توباعين كالجــ"
قاطعتها وهي تقترب منها بخطوات ثابتة، وقالت بصوتٍ عالٍ نسبيًا:
- "انظري إليّ جيّدًا...
انظري في عينيّ."
ثم أضافت بخفوتٍ قاتل:
-"إياكِ... ثم إياكِ...أن تلعبِي بالنار.
فإنها، وإن رقصت لك،لا تكون إلا حارقة... إن طالتك.وأظنّ أني سأمتّ من ألعابك المستفزة لي...
وهذا تحذير ما قبل الأخير، والله ثم والله يا شكيبة، وباسم أمي، فسيكون عسيرًا عليك."
استدارت وهي تمسك بلجام حصانها بإحكام متوجهة لصف الباعات تخترق الحشود بجسدها وجسد حصانها، تاركةً الأخرى جامدة في مكانها، كتمثالٍ لا يتحرك.
أشارت بيدها لأحد باعة في جانب السوق، فرمى لها تفاحةً حمراء طازجة. التقطتها بخفة، ورمت له بالمقابل عملةً نقديةً لامعة، ثم صعدت على صهوة حصانها، متشبّثة به، جامدة القسمات .
وقبل أن تختفي تمامًا، نظرت إلى الخلف مرةً أخيرة، لم تلتفت طويلًا، فقط لمحة خاطفة من فوق كتفها،تبحث بعينيها وسط الزحام عن تلك الفتاة... ثم أدارت وجهها بلا اكتراث سرعانا ما وجهت جل تركيزها نحو التفاحة الحمراء اللامعة بعد ان فردتها بثوبها أخدت تلتهمها بنهم.
شدّت اللجام بقبضتها، فانطلق الحصان راكدًا في الممرات الضيقة، يشق الحشود من كل صوب، والعيون تتبعه بفضول.
كل هذا وتحت نظرات الاخرى التي حكّت عينيها بقسوة من كثرة الغضب، حتى احمرّتا.
ومع ذلك، لم ينطفئ ما في عينيها.
كان الغضب لا يزال مشتعلاً، ممزوجًا بنارٍ مكبوتة، وهي تراقب تاجة تبتعد على صهوة حصانها،
والغبار الذي أثاره الحصان لا يزال معلقًا في الأفق، كذكرى مستفزة، تأبى أن تُمحى.
شدّت قبضتيها حتى ابيضّت مفاصلها،
وقبضت على شفتيها بأسنانها بقوة،
ثم انحنت شفتاها عن ابتسامةٍ مرّة، وهمست بصوتٍ غليظٍ مخنوق:
-" سترين... يا بنت سامية،
ولتعلمن أيّنا تمضي، وأيّنا يطويه الزمان خلفه."
---------------------------------------------
دخلت تاجة الإسطبل ممسكة بلجام فجر، تمشي بخطوات مسرعة، وصوت حوفير الحصان يرنّ على الأرض الحجرية بصدى خافت. رفع حسّام، سايس الإسطبل، رأسه فور أن لمح ظلها وقال بخفض نظره بأدب:
-"دعيه لي يا سيدتي... سأقوم أنا بذلك."
أومأت برأسها بابتسامة خفيفة لم تكمل طريقها إلى الشفاه، ثم مدّت يدها بلطف على رقبة فجر تودعه:
-"عندما أنتهي من أشغالي إن شاء الله سأعود لك."
لم تكن ممجنونة، بل كانت تعشق حصانها، هدية عزيزة من عزيز. صحيح أنه لا يتكلم، لكنها تفهمه بلا كلام، فما أن رفع رأسه نحوها حتى ابتسمت:
-"لا تقلق، لن أنساك ككل مرة."
وتركت لجام الحصان بين يدي حسّام، ثم استدارت بخفّة، ورفعت طرف ثوبها عن الأرض، متجهةً نحو باب القصر الجنوبي.
كان القصر واحدًا من أبهى ما شُيّد في تلك البلاد؛
قصرٌ لُقّب بين الناس بـ القصر الملوّن، ومن لا يعرف القصر الملوّن؟
ذلك المشهور بإبداع جهاته الأربعة الملونة، وبحديقته الشاسعة التي نبتت فيها أجلّ أنواع النبات الأخضر، وتفتّحت أزهاره الملوّنة من خلق الربّ سبحانه.
وقد قيل إنّ سيّد القصر غرس تلك الحديقة خصيصًا لزوجته، التي كانت تعشق الطبيعة عشقًا تجدر منذ رعونة أظافرها، فبنى لها عالمًا أخضر يليق بروحها.
شُيّد القصر قرب صفوف من القصور المتقاربة، وكان هو آخرها عن اليمين، مطلًّا على جبال المدينة من جهة، وعلى وسط المدينة من أعلى نبت هناك بين قصور من نفس الروح فكان هو زهرة شامخة تتبدج بألوانها الزاهية فتقيس لونه من بعيد على مد البصر .
وحين ولجت الممر الحجري الكبير، الشاسع، العتيق، المرصوف بأحجار ملوّنة، وبابه المزيّن بالفسيفساء، اصطدمت بجسمٍ صغيرٍ كان يركض مسرعًا من الجهة المقابلة.
تأوّه الغلام، ثم رفع وجهه الأبيض المشرق، وقد اتّسعت عيناه بصدمة، وصاح:
-"...."
يتبع ...